أحمد بن محمد مسكويه الرازي

111

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

12 - وأما « الجائر » فإنه يطلب لنفسه الزيادة من المنافع ولغيره النقصان منها . فقد ذكرنا الأخلاق ، التي هي خيرات وفضائل ، وأطرافها التي هي شرور ورذائل ، على طريق الايجاز ، وحددنا ما يحد منها ورسمنا ما يرسم ، وسنشرح كل واحد منها على سبيل الاستقصاء في ما بعد إن شاء اللّه تعالى . خاتمة المقالة الأولى وينبغي ان نلخص في هذا الموضع ( شكارا ) « 1 » بما لحق طالب هذه الفضائل فنقول : انا قد بينا في ما تقدم ، ان الانسان من بين جميع الحيوان ، لا يكتفي بنفسه في تكميل ذاته ، ولا به له من معاونة قوم كثيري العدد حتى يتمم به حياته طيبة ، ويجري امره على السداد ، ولهذا قال الحكماء : ان « الانسان مدني بالطبع » أي هو محتاج إلى « مدينة » فيها خلق كثير لتتم له السعادة الإنسانية ، فكل انسان بالطبع وبالضرورة يحتاج إلى غيره ، فهو لذلك مضطر إلى مصافاة الناس ومعاشرتهم العشرة الجميلة ، ومحبتهم المحبة الصادقة ، لأنهم يكملون ذاته ويتممون انسانيته ، وهو أيضا يفعل بهم مثل ذلك ، فإذا كان كذلك بالطبع وبالضرورة فكيف يؤثر الانسان العاقل العارف بنفسه التفرد والتخلي ، ويتعاطى ما يرى الفضيلة في غيره ، فإذا القوم الذين رأوا الفضيلة في الزهد وترك مخالطة الناس وتفردوا عنهم ، اما بملازمة المغارات في

--> ( 1 ) . لعلّها كلمة زائدة ، أو كلمة فارسية ، وفي بعض النسخ عبارة « شكا ربّما لحق طالب هذه الفضائل . . . » راجع : تهذيب الاخلاق ، طبعة دار الكتب العلمية ، بيروت عام 1401 ه .